فخر الدين الرازي
116
تفسير الرازي
صار لي فخذه " قال القاضي : وكل هذه الوجوه تحتمله الآية ، وليس فيها دليل على ترجيح بعضها على بعض . وإن صح في الأخبار ما يدل على التعين قضى به ، وإلا فالكل محتمل ، وكما أن كل واحد منها جائز ، فكذلك إرادة الجميع جائزة فإنه لا تناقض بينها ، والأقرب أن يكون المراد بذلك ماله عليه السلام أن ينفل غيره من جملة الغنيمة قبل حصولها وبعد حصولها ، لأنه يسوغ له تحريضاً على الجهاد وتقوية للنفوس كنحو ما كان ينفل واحداً في ابتداء المحاربة . ليبالغ في الحرب . أو عند الرجعة . أو يعطيه سلب القاتل ، أو يرضخ لبعض الحاضرين ، وينفله من الخمس الذي كان عليه السلام يختص به . وعلى هذا التقدير فيكون قوله : * ( قل الأنفال لله والرسول ) * المراد الأمر الزائد على ما كان مستحقاً للمجاهدين . أما قوله تعالى : * ( قل الأنفال لله والرسول ) * ففيه بحثان : البحث الأول : المراد منه أن حكمها مختص بالله والرسول يأمره الله بقسمتها على ما تقتضيه حكمته ، وليس الأمر في قسمتها مفوضاً إلى رأي أحد . البحث الثاني : قال مجاهد وعكرمة والسدي : إنها منسوخة بقوله فإن لله خمسه وللرسول ، وذلك لأن قوله : * ( قل الأنفال لله والرسول ) * يقتضي أن تكون الغنائم كلها للرسول ، فنسخها الله بآيات الخمس وهو قول ابن عباس في بعض الروايات ، وأجيب عنه من وجوه : الأول : أن قوله : * ( قل الأنفال لله والرسول ) * معناه أن الحكم فيها لله وللرسول . وهذا المعنى باق فلا يمكن أن يصير منسوخاً ، ثم إنه تعالى حكم بأن يكون أربعة أخماسها ملكاً للغانمين . الثاني : أن آية الخمس . تدل على كون الغنيمة ملكاً للغانمين ، والأنفال ههنا مفسرة لا بالغنائم ، بل بالسلب . وإنما ينفله الرسول عليه السلام لبعض الناس لمصلحة من المصالح . ثم قال تعالى : * ( فاتقوا الله وأصلحوا ذات بينكم ) * وفيه بحثان : البحث الأول : معناه فاتقوا عقاب الله ولا تقدموا على معصية الله ، واتركوا المنازعة والمخاصمة بسبب هذه الأحوال . وارضوا بما حكم به رسول الله صلى الله عليه وسلم . البحث الثاني : في قوله : * ( وأصلحوا ذات بينكم ) * أي وأصلحوا ذات بينكم من الأقوال ، ولما كانت الأقوال واقعة في البين ، قيل لها ذات البين ، كما أن الأسرار لما كانت مضمرة في الصدور قيل لها ذات الصدور . ثم قال : * ( وأطيعوا الله ورسوله إن كنتم مؤمنين ) * والمعنى أنه تعالى نهاهم عن مخالفة حكم الرسول بقوله : * ( فاتقوا الله وأصلحوا ذات بينكم ) * ثم أكد ذلك بأن أمرهم بطاعة الرسول بقوله : * ( وأطيعوا